المؤسس المدير العام . رضا العجمي      |      الأحد 22 أكتوبر 2017
الرئيسية / ثقافة / الروائي عبد اللطيف العلوي لـ”الضمير”: الشهادة الفنيّة تخلّد نضالات الشعوب وتعطيها رمزيتها العميقة
maxresdefault

الروائي عبد اللطيف العلوي لـ”الضمير”: الشهادة الفنيّة تخلّد نضالات الشعوب وتعطيها رمزيتها العميقة

  • كلمة “اخوانجي” كانت وصما كريها يطلق على فئة من أبناء الشعب التونسي لفرزهم وشيطنتهم
  • واقع الأدب في تونس مريض ومكبّل
  • الثورة مسار طويل.. يحتاج الى صبر أيوب وحكمة لقمان ويقين يوسف

 

تونس – الضمير – إيناس جبير

هو شاهد على العصر بقلم الشعر والنثر .. أعاد رواية التاريخ المظلم في حقبة سوداء من الزمن عايش فيها التونسيون أبشع وجوه الظلم والاستبداد .. وأرّخ بصورة فنيّة وأدبية – فيما يعرف بأدب السجون – الانتهاكات التي كان يمارسها نظام بن علي داخل سجونه وبيد أعتى جلّاديه، فكانت روايتُه الاولى “الثقب الأسود”.

رواية “الثقب الأسود”، كانت الجزء الأول من مجموعة روائيّة تتألف من ثلاث روايات حملت عنوان “سيرة الثورة” للشاعر والروائي التونسي عبد اللطيف العلوي.. هذا الاديب الذي عايش تجربة السجن السياسي بالكاف وبرج الرومي ليعود من هذه التجربة بأثر فني يأبى النسيان.

وها نحن اليوم نشهد ولادة الجزء الثاني من هذه “السيرة ” تحت عنوان ” إخوانجيّ… في بلد الفرح الدائم”  في انتظار طبعه ونزوله إلى الأسواق.

“الضمير” التقت عبد اللطيف العلوي في حوار حول كتابه الجديد وأبرز ملامح مشروعه الروائي “سيرة الثورة”، في ما يلي تفاصيله:

  • أعلنت انتهائك من كتابة الجزء الثاني من مجموعتك الروائيّة “سيرة الثورة” واخترت له عنوان “إخوانجيّ… في بلد الفرح الدائم “، لو تحدثنا عن هذه الرواية مع ما يحمله عنوانها من رمزيّة ومدى ارتباطها بالجزء الأوّل “الثقب الأسود”؟

رواية “إخوانجيّ… في بلد الفرح الدائم”، هي الجزء الثّاني من مشروع روائيّ متكامل، أردت من خلاله أن أؤرّخ لسيرة الثّورة في العقود الثّلاثة الأخيرة، منذ بداية العشريّة السّوداء، عشريّة التّسعينات وما تلاها. فالثورة ليست فعلا مفاجئا في التّاريخ أو طفرة غير مبرّرة، من لا يقرأ هذا الحدث العظيم في امتداداته التّاريخيّة، والسّياسيّة والحقوقيّة والاجتماعيّة يخطئ التّقدير ويسقط في فخّ المقولات السّاذجة، الّتي تحصر الحدث دائما بين قوسي 17 ديسمبر و14 جانفي 2011.

هذا المشروع كان يختمر في ذهني منذ ما قبل الثّورة، لكنّني، حتّى في أقصى حالات تفاؤلي، لم أكن أحلم بأن يكتب له أن يرى النّور حتّى في حاسوبي أو في أدراج مكتبي…. اليوم أقامت الثّورة الحجّة على الجميع، وفتحت أبواب الحلم وحرّرت الإرادات ومنحتنا فرصة سيحاسبنا التّاريخ عليها كثيرا إن تركناها تمرّ دون أن نقدّم شهادتنا على كلّ ما حدث، من الجريمة أن نصمت اليوم ونساهم بذلك في تزوير التّاريخ ودفن الحقائق إلى الأبد.

من هنا كانت البداية مع رواية “الثّقب الأسود”، تلك الرّواية الّتي تعود إلى بداية التّسعينات، إلى الحملة الدمويّة الاستئصاليّة الّتي شنّها نظام الاستبداد، بشقّيه السّياسيّ التّجمعيّ والثّقافويّ اليساريّ، ضدّ الحركة الإسلاميّة في تونس، ممثّلة في المتّهمين بالانتماء إلى حركة النّهضة، لكنّ عصا الاستبداد عمياء دائما، فلم يسلم من تلك الحملة مواطنون آخرون بلا انتماء، وجدوا أنفسهم في شقّ الرّحى، وهي حكاية بطلي رواية “الثقب الأسود”، خالد وفدوى… حكاية تفتح من خلالها أبواب دهاليز الموت على حقبة هي الأكثر سوادا في تاريخ تونس الحديث.

رواية “إخوانجيّ… في بلد الفرح الدائم ” هي استمرار نسقيّ لأحداث الجزء الأوّل من “السّيرة”، تنطلق من النّقطة الّتي توقّفت فيها في رواية “الثّقب الأسود”، لحظة خروج خالد الشّرفي من السّجن بعد قضاء حكم ظالم بخمس سنوات، واعتقال فدوى… ثمّ تنطلق الأحداث في نسق غير خطيّ، دائريّ حينا لولبيّ حينا آخر، يسترجع أو يستبق أو يعايش مختلف العذابات التي يعيشها الأبطال. هي رواية تتناول معاناة المسرّحين من المساجين السّياسيّين في التّسعينات والعشريّة الأولى من الألفيّة… ما عاشته بلادنا في تلك الفترة من الانتهاكات والتّنكيل والتّجويع والمحاصرة والعزل الاجتماعيّ لفئة عريضة من التّونسيّين.

  • حدثنا عن رمزيّة العنوان “إخوانجيّ… في بلد الفرح الدائم” في علاقته بهذا الواقع الذي عاشه أبطال الرواية؟

بلد الفرح الدّائم هي الدّعاية الرّسميّة الّتي أطلقتها ماكينة بن علي الثقافية والسياسية والإعلاميّة، لتصوّر تونس الدّاخل والخارج على أنّها واحة حرّيّة وأمن وسلام، عبارات من نوع حقوق الإنسان والدّيموقراطيّة والحرّيّة كانت تتكرّر على مدار السّاعة مثلما يتردّد النّفس صعودا ونزولا، في حين كانت مخافر الأمن وأقبية الدّاخليّة والسّجون تشهد أبشع المآسي في تاريخ تونس، تعذيب وتنكيل وانتهاكات وتصفيات على الانتماء وفرز عنصريّ لم تشهد له تونس مثيلا… كانت تلك هي المفارقة المضحكة إلى حدّ البكاء، وكان ذلك عنوان مرحلة كاملة من تاريخنا من الصّعب جدّا أن نشفى منها في الأجل القريب…

أمّا كلمة “إخوانجيّ” هي من أبشع وأقسى العبارات الّتي استعملها نظام الاستبداد وشركاؤه الثّقافويّون، ومن أكثرها عنصريّة وتجريما وتشويها… كلمة مشحونة كراهية وطائفيّة واحتقارا، صنعت في مخابر السّلطة وكان الصيّاح من أوائل الّذين دعوا إلى تكثيف استعمالها، وتبنّتها الأمانة العامّة للتّجمّع فصارت جزء من الخطاب الرّسميّ المعادي، ووصما كريها يطلق على فئة معيّنة من أبناء الشّعب التّونسيّ لفرزهم وشيطنتهم. هي كذلك كلمة بوليسيّة بامتياز، كانت تهمة جاهزة لا تحتاج إلى أيّ تعريف أو إثبات. يكفي أن تطلق على أيّ شخص، كي يصبح في نظر الدّولة وحتّى في نظر المجتمع والمنظّمات الحقوقيّة، مجرما بالأصالة، ولا يستحقّ أيّ شكل من أشكال التّعاطف أو التّضامن.

من هنا جاء العنوان، أردته صادما لوعينا وضمائرنا، لأنّنا جميعنا، كنّا بشكل من الأشكال شركاء في تلك المذبحة، من حكم ومن عذّب ومن برّر ومن صمت ومن خاف ومن عاش حياته بالطّول والعرض، في حين كان الآلاف من أبناء شعبه يذبحون على الهويّة.

  • ألا ترى أنكّ عندما أفردت الاسلاميين بالذكر في عنوان الرواية قد أقصيت باقي المناضلين من مختلف التيارات السياسيّة والفكريّة (التيار القومي, التيار اليساري…)  ممّن أذاقهم نظام بن على من نفس الكأس التى تجرعها الاسلاميون؟

أوّلا، تخصيص الرّواية للحديث عن حقبة معينة من تاريخ تونس استُهدِفَ فيها الإسلاميّون، لا يعني بالضّرورة إقصاء لغيرهم، وإنّما هي حقيقة المرحلة التّاريخيّة لا أكثر. مثلما أنّ هناك روايات تحكي فقط نضال اليساريّين في حقبة السّبعينات، وأبرز مثال على ذلك رواية “الحبس كذّاب والحيّ يروّح” لفتحي بلحاج يحيى…

ثانيا، هناك مغالطة كبيرة يُعمَدَ إليها دائما، وهي أنّ باقي التّيّارات عانت مثلها مثل بقيّة الإسلاميّين من نظام بن علي… والحقيقة أنّه لا يوجد تيّار في تونس استهدف على نطاق واسع، مثل التّيّار الإسلاميّ، لأنّه ببساطة كان له امتداده الشّعبيّ العميق المتجذّر في كلّ طبقات المجتمع، فقرائه وأغنيائه وعمّاله وطلبته وتلاميذه وبسطائه ومثقّفيه.

باقي التّيّارات، كانت ومازالت إلى اليوم، تيّارات نخبويّة، أشبه ما تكون بأحزاب الصّالونات، الفكر اليساريّ أو القوميّ لن تجده إلاّ في صفوف نخبة معيّنة متعالية، ولن تجد له نشاطا حقيقيّا إلاّ بين صفوف الطّلبة، وهو في الغالب ينتهي بانتهاء الفترة الجامعيّة ويتحوّل “المناضل” اليساريّ أو القوميّ إلى موظّف سعيد في مكاتب الدّولة يغنم من حاضرها ويستفيد بالكامل من وضع الإقصاء المسلّط على الإسلاميّين…

طبعا هذا لا ينفي وجود رموز يساريّة أو وقوميّة نالها من سياط الاستبداد ما نالها، ولكنّ ذلك لا يمكن أبدا أن يقارن بما نال الإسلاميّين، عدديّا ونوعيّا، بل أكثر من ذلك، كان هناك طيف واسع من منتسبي هذين التّيّارين، متحالف موضوعيّا مع النّظام في ضرب الإسلاميّين، واستغلّ ذلك الوضع لتفريغ النّقابات وتلوينها ايديولوجيّا بلون واحد، ولمحاصرة الإسلاميّين في كلّ المناشط العامّة…

من باب الوصف الأمين أن نقول، إنّ التّيّار الوحيد الّذي خاض معركة التّحرّر من سلطان بن علي على نطاق شعبيّ واسع هو التّيّار الإسلاميّ، البقيّة كانت لهم رموز في المواجهة لا تتجاوز بضع عشرات من قيادات الصّفّ الأوّل، وأنا أقول هذا الكلام من باب التّنسيب وإرجاع الفضل إلى أهله كي لا نستمرّ في مغالطات الكلّ يعلم أنّها غير حقيقيّة، وما بالزّمن من قدم.

  • كيف كان مرورك من “سيرة الثورة الاولى” الى “سيرتها الثانية” .. كيف عشت هذه التجربة؟

ليس من السّهل أبدا أن تقطع نفس الطّريق رجوعا.. أن تعيش المأساة مرّة أخرى وأنت تستذكرها بكلّ تفاصيلها وتعايش شخوصها وتحمل عنهم عذاباتهم وأوجاعهم وخيباتهم وانكساراتهم، ليس الأمر هيّنا على الإطلاق.

الرّواية بالنّسبة إلى الكاتب هي حياة أخرى يعيشها بكلّ ما فيها، وكتابة الرّواية تمتدّ إلى أشهر وسنوات أحيانا، ولذلك يكون الخروج من تجربة الكتابة أشبه بخروج المقاتل من ساحة حرب حقيقيّة، بجراح دامية وذراع مقطوعة وقلب مكسور بخسارة الأصدقاء والرّفاق وجسد منهك وأحزان تقصم الظّهر وتسحق الرّكبتين.

ما عشته أنا لا يعدو أن يكون واحدا في المليون ممّا عاشه آخرون، لكنّني وأنا أكتب الرّواية عدت إليهم فعايشتهم وحملت عنهم كلّ ما عاشوه، لأيّام وليال طويلة… التقيت بالكثيرين منهم، وفتحوا لي صناديق الذّاكرة السّوداء، واستضافوني في أبعد مناطقها المحرّمة الدّامية، وكانت حكاية ” إخوانجيّ… على سرير بروكوست “، عن بلد سمّوه زورا وبهتانا ذات يوم: “بلد الفرح الدّائم”.

  • إلى أي مدى نحتاج اليوم الى التناول الفني والأدبي لهذه الحقبة؟ وما هو واقع أدب السجون اليوم في تونس؟

نعيش اليوم، بعد ستّ سنوات من الثّورة، عودة الضّباع إلى السّاحة، ليست مجرّد عودة لشخوص بل لثقافة كاملة، ثقافة الاستبداد بكل مقولاتها وأكاذيبها وزيفها، وعليه فإنّه يصبح فرض عين على كلّ من يستطيع، أن يخوض هذه الحرب ضد النّسيان، هم يراهنون على الوقت وعلى النّسيان كي يعيدوا رواية اﻷحداث بشكل آخر مشوّه وزائف لكي يطمسوا سرديّة الثورة، السّرديّة الحقيقيّة للثّورة ، وينتهوا في النّهاية الى أنها لم تكن ثورة أصلا وإنّما هي مؤامرة عبريّة… لذلك لابدّ من تقديم الشّهادة، وليس أبقى وليس أكثر إنسانيّة من أن تكون الشّهادة فنّا، موسيقى أو مسرحا أو تشكيلا أو كتابة، كلّ فنون الكتابة…

الشّهادة الفنّيّة هي الّتي تخلّد نضالات الشّعوب وتعطيها رمزيّتها العميقة، وتشحنها بالقيم الّتي تحتاجها الإنسانيّة في رحلة بحثها الطّويل عن العدل والسّلام والكرامة والحرّيّة…

لا أخفيك أنّني شعرت بكمد وغبن كبيرين تجاه ذلك الفيض الهائل من الشّهادات الّتي سمعناها في جلسات الاستماع: ملاحم نضاليّة بحجم الكون ، لكنّها للأسف لا تجد من يحوّلها إلى رمزيّات تبقى وحكايات فنّيّة خالدة كما أنتجت كل الثّورات حكاياتها الملهمة التي تحفظ قيمها وروحها وعذابات ضحاياها، وتعطي للأجيال ذلك الرّصيد وذلك الزّخم القيميّ الّذي تحتاجه الشّعوب كي تبني وتحلم وتقاتل…

أمّا عن واقع أدب السّجون، أعتقد أنّ الكثيرين ممن قرؤوا النّصوص الّتي صدرت بعد الثّورة لاحظوا أنها لم تربح الرّهان الفنّي كي لا يكون المرء أقسى في العبارة، ربّما لأنها جاءت مستعجلة خاصة في السّنتين الأوليين للثّورة، فكأنّها استجابة فوريّة لواقع سياسيّ جديد أكثر من كونها حالة إبداعيّة أصيلة لها أسسها ومبرّراتها وقيمها الفنّية،

ولعلّ لذلك أسبابا كثيرة، أهمها في تقديري أن كلّ، أو جلّ الذين كتبوا في أدب السّجون قد دخلوا إلى الكتابة من بوّابة السّجن ولم يدخلوا الى السّجن من بوّابة الكتابة، كما أنّ سيطرة أسلوب السّيرة الذاتيّة في الكتابات السّجنيّة جعلها تنزع أكثر إلى التّوثيق والواقعيّة الفجّة من ناحية، أو إلى البكائيّات التي تحكمها المأساة وقسوة التّجربة والرّغبة في نقل صورة الواقع بأكثر ما يمكن من اﻷمانة، في حين أن اﻷدب ليس هذا رهانه اﻷكبر، الحدث الروائيّ غير الحدث الواقعيّ، هو ينطلق منه لكنه لا يجب أن يبقى حبيسا له، وإنما يتصرف فيه المبدع بالتّخييل والقصّ والتّركيب واﻹضافة والحذف ، كلّ ذلك من أجل خلق حكاية في فضاء المتخيّل الواقعيّ، حكاية قابلة للتّصديق وقابلة للتّعميم وقابلة للإمتاع، وهذا ضروريّ… إذ اﻷدب متعة قبل أيّ شيء آخر، وأول رهان يطرحه الكاتب على نفسه هو كيف سأمتع القارئ حتّى وهو يتألّم، كي أحتفظ به إلى آخر الرواية؟

  • تحدثت عن عودة ثقافة الاستبداد، وكنت قلت إنّ الأخطر من الاستبداد هو ثقافة الاستبداد التي يتركها المستبدّون بعد رحيلهم. إلى اي مدى تتجذّر فينا اليوم هذه الثقافة؟

الاستبداد آليّات وعقليّة، الآليّات يمكن تغييرها في حيّز زمنيّ قصير نسبيّا، أمّا العقليّة والثّقافة فتغييرها عمليّة طويلة جدّا ومعقّدة ومكلفة… عقليّة الرّشوة والمحسوبيّة والوشاية و”حلب” الدّولة و”رزق البايليك” والإقصاء والاستئصال الّتي سادت في فترة بن علي مازالت تتحكّم في مسار ما بعد الثّورة…

ثقافة الاستبداد هي أيضا ثقافة الغنيمة السّهلة، والوطنيّة المغشوشة، وطنيّة كرة القدم والمسابقات الرّياضيّة ونجوم “آراب آيدول”، هي ثقافة الاستثمار في الجهل والتّخوين والطّهوريّة الكاذبة، هي ثقافة التّواكل والعجز وقلّة الحيلة، ثقافة أدر خدّك الأيسر و”بوس اللّفعة من فمها”، ثقافة شعب الله المختار الّذي يضحك على الشّعوب الأخرى، وهو يعيش تحت خطّ الفقر وتحت خطّ القهر وخطّ الكرامة… تلك هي بعض سمات ثقافة الاستبداد الّتي يتركها الطّغاة بعد رحيلهم.

  • ما هو واقع الحركة الأدبيّة عموما اليوم في تونس؟

ليس خفيا أنّ واقع الأدب في تونس اليوم هو مثل واقع كلّ شيء، واقع مريض ومكبّل بإرث ثقيل سوف نظلّ نعانيه لأجيال وأجيال. ليس هناك ساحة ثقافيّة في تونس، هناك دهاليز ومسارب سرّيّة وكمائن ومناطق ألغام وأقبية ومناطق تحكمها عصابات متواطئة ومتفاهمة فيما بينها على اقتسام المجال والاستفادة إلى النّخاع من دورة الفساد

الكتّاب في تونس صنفان: صنف يمثّله الرّسميّون، إرث من تركة نظام الاستبداد، تدعمهم صحافة الفساد وإعلامه وتخدمه شبكة علاقات مافيوزيّة قديمة، يتحرّك في كلّ الفضاءات الرّسميّة كالأخطبوط، كأنّها ملك خاصّ موقوف على فئة دون غيرها.

وصنف آخر هم كتّاب الهامش… الكتّاب الناطقون بلسان الثّورة، المنبوذون المطاردون حتّى في أضيق فضاءات الهامش… هؤلاء هم الّذين يحملون على عاتقهم حلم التّغيير وأخلقة الثقافة والسّياسة…

هناك نصوص كبيرة لم تأخذ حقّها أو حظّها من التّعريف، يتبادلها القرّاء في العتمة بجهود شخصيّة من الكاتب، هذه النّصوص مهدّدة بالموت، رغم قيمتها الفنّيّة، لأنّها لا حظّ لها من التّوزيع ولا من القراءة النّقديّة الّتي ظلّت إلى اليوم قراءات زبونيّة أو وظيفيّة قاصرة.

  • هل ينسحب هذا الكلام على رواية “الثقب الاسود”؟ وما هي الصعوبات التي واجهتكم خلال الطبع والنشر؟

رواية “الثقب الأسود” تأتي في سياق الثّورة، والثّورة اليوم صارت فعلا متّهما ومجرّما بمفعول رجعيّ، من طرف مراكز النّفوذ السّياسيّ والثّقافيّ الكولونياليّ… هناك مؤسّسات ثقافيّة رفضت أن تحتضن مجرّد ندوة حول الرّواية أو أمسية ثقافيّة لتوقيعها، مثل المركّب الثّقافيّ بسوسة، وبدون إبداء أيّة أسباب… التّعتيم الإعلاميّ طبعا معروف ومكشوف وصار يمارس برقعة وقحة، أغلب من يهتمّون بهذا الشّأن لهم مواقف مسبقة من كلّ ما يكتب عن التّجربة النّضاليّة للإسلاميّين، تصنيف على الشّبهة وإقصاء وتهميش… ذلك هو الواقع للأسف…

لكنّني لا أقول هذا الكلام من باب التّظلّم، أنا أجتهد بما أستطيع وأنشب مخالبي في الصّخر كي أقدّم كتاباتي وأوزّعها على نطاق واسع، الفايسبوك صار اليوم سلاحنا الّذي لا يجب أن نستهين به أبدا، صار بإمكان الكاتب أن يجمع حوله آلاف القرّاء وينشر فكره وأدبه بلا رقابة ولا وساطة ولا سماسرة ولا وصايات متعالية…

كتبي اليوم تجوب القارّات الخمس، عن طريق البريد المضمون الوصول، صار لي قرّاء بالآلاف يتابعون ما أكتب ويهتمّون بنشره وتوزيعه… الأفكار تطير وتخترق الجدران والحواجز والحدود مهما حاول الأغبياء أن يحبسوها أو يعترضوا طريقها.

  • بنظرة الأديب الذي عاش تجربة الاضطهاد كيف تقيّم المسار الثوري اليوم في تونس؟

في زمن مضى، كان لدينا إله في قصر قرطاج. صار لدينا رئيس، ننقده علنا ونقذفه بالطّماطم والجبنة الفاسدة.

كان لدينا حكومة من الأولياء الصّالحين، لا أحد من وزرائها يخطئ أو يحاسب أو يتجرّأ مواطن على النّظر في عينيه، صار لدينا بشر خطّاؤون نشتمهم بأسمائهم وأوصافهم ويحاسبون في الإعلام وتمسح بهم أرضيّة مجلس النواب وهم صاغرون.

كان لدينا مجلس دوابّ يصادق ويزكّي برفع القوائم ووضع الحافر. صار لدينا ساحة حرب حقيقيّة، الجميع يدافعون عن مواقفهم وآرائهم مهما كانت حساباتهم وتوجّهاتهم.

كان لدينا قضاء يحكم بقضاء الحاكم وقدره، صار اليوم يبتّ في دستوريّة القوانين ويحاسب الوزراء ويجرّهم إلى التّحقيق والاستقالة ويحكم بعدم سماع الدّعوى في قضايا يرفعها الرّئيس ويخرج منها بذيل مكسور.

لا يمكن لشعب عانى الاضطهاد والميز الجهويّ والتّخلّف والتّبعيّة قرنا كاملا أن يتحرّر من كلّ ذلك في سنوات، لكن بإمكانه أن يتحرّر من خوفه كي يبدأ الطّريق…

ونحن قد تحرّرنا من خوفنا، ودخلنا عصر التّاريخ، لكنّنا لا نريد أن ندرك قيمة هذه اللّحظة، لأنّنا نعتقد أنّ الثّورة فعل ناجز، تمّ وانتهى، في حين أنّها مسار طويل، البناء فيه أصعب من الهدم بكثييير، ويحتاج إلى صبر أيّوب وحكمة لقمان ويقين يوسف…

الحرّيّة لا يمكن أن يعرف قيمتها من استيقظ ذات يوم، فوجد نفسه حرّا بالصّدفة. الحرّيّة لن يدرك قيمتها إلاّ من حلم بها طويلا واشتاق إليها ودفع من أجلها حبّات العمر وضحكة الأبناء ودموع الأمّهات والأهل والأصحاب.

لذلك أنا متفائل بمسار الثّورة رغم كلّ الصّعوبات والخيانات ومطبّات الطّريق، حقّقنا الكثير، وهو الأصعب، حرّرنا الإرادات والباقي تكمّله الأجيال القادمة. ليس مطلوبا من هذا الجيل أكثر ممّا أنجز… ناضل وصبر وانتصر، وقام بالثورة وحافظ على قيمة الحرّيّة، الأوطان تبنيها أجيال تلو أجيال، لذلك أنا مطمئنّ بالكامل على مصير الثّورة.

  • بنظرة المربّي كيف ترى واقع الناشئة اليوم؟ واية علاقة اصبحت تربطها بالكتاب؟

أنا عكس الكثيرين ممّن لا يرون من الصّورة سوى ظلالها السّوداء، أرى جيلا متفتّحا ومتحرّرا يشقّ طريقه ويتعلّم من تجربته، بكثير من المعاناة نعم وبكثير من الرّفض ومن التّشكيك والتّشويه والانغلاق من جيلنا القديم، جيلنا الّذي تربّى على ثقافة أخرى وقيم أخرى وواقع آخر، لم يتقبّل إلى الآن بسهولة أنّ هذا الجيل الجديد ولد لزمن مختلف، وأنّ ثقافته صارت كونيّة عابرة للحدود والطّابوهات، هذا الجيل في تقديري لا يجب الحكم عليه بسهولة وتجريمه وتسفيهه، لأنّه بشكل مّا، هو أيضا صنيعة أيدينا، جيل خيباتنا وفشلنا…

الكتاب لم يعد له ذلك السّحر القديم، تحوّل اليوم إلى مجرّد رافد من روافد المعرفة الكثيرة، بعد أن كان فيما مضى الرّافد الأوحد تقريبا، وكلّ ذلك لا يخيفني، مادام شبابنا متحرّرين من الخوف واسعي الاطّلاع يفتحون نوافذهم على كلّ السّماوات…

هذا الجيل يحتاج إلى من يؤمن به وهو قادر على صنع المعجزات، يكفي أنّ دماءه لم تلوّثها سموم بورقيبة وبن علي.

*تعريف الكاتب: هو شاعر وروائي تونسي من مواليد 28 أفريل 1969 من ولاية جندوبة.. زاول دراسته الجامعيّة بكليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس

عاش تجربة السجن السياسي في الكاف وبرج الرومي

عضو منظمة شعراء بلا حدود

عضو مؤسس وعضو الهيئة المديرة للرابطة التونسيذة للأدباء والمفكرين

حاز على جائزة أمير الشعرلااء في نسختها التونسيّة التي نظمتها اذاعة المنستير في 2016

نشر الكثير من القصائد والمقالات السياسيّة في عدد من المواقع الالكترونيّة العربيذة المختصّة.

صدر له من الشعر  : خيبات طفل عظيم 2014

عادات سيف الدولة 2015

طوق الهلاك 2017

الثقب الاسود (رواية)

وفي ما يلي صور بعض منشوراته:

  

شاهد أيضاً

بن سالم

بن سالم: لجنة المالية ستناقش قانون المالية التكميلي لسنة 2017 يوم الثلاثاء القادم

تونس – الضمير   قال عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب محمد بن سالم ان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *